فوزي آل سيف

5

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

بناء على ذلك التعريف وغيره فإن الصحابة كلهم عدول([5]) لا يتطرق لهم نقد ولا انتقاص([6]) ولا ينبغي التحقيق في الحديث الذي رُوي عنهم، كما أنهم من أهل الجنة، فقد نقل ابن حجر العسقلاني [ت: 852هـ] عن ابن حزم الأندلسي [ت: 456هـ ] بأن: " الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً"([7])، وقيل: أنهم أفضل البشر وأفضل الناس([8]). ويتمايز الصحابة في طبقاتهم حيث يتقدم عليهم الخلفاء الأربعة ثم إلى تمام العشرة المبشرين بالجنة ثم بعد ذلك عامة الصحابة. أدلة نظرية عدالة الصحابة: ساق أصحاب هذه النظرية مجموعة من الأدلة نحاول أن نعرضها ثم نناقشها، منها: 1. الصحابة منتخبون من الله والمرتكز في هذا الدليل أن صحابة النبي هم الذين نقلوا إلينا القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وبواسطة هؤلاء انتقل القرآن وانتقلت سنة النبي إلى سائر المسلمين وهذا يعني أن الله قد انتخبهم لإيصال القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى من يأتي من الأجيال بعدهم. ولابد أن ينتخب الله سبحانه وتعالى بحكمته الأشخاص العدول وأفضل الناس لحمل هذه الرسالة، لإيصال القرآن إلى من يأتي فيما بعد ولإيصال سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ لو كانوا سيئين أو فسقة لضاع القرآن وضاعت السنة. والجواب على ذلك: أولاً: إن الكلام ذاته يأتي فيمن يكون بعدهم([9]) كذلك، وهم الأشخاص الذين يتسلمون القرآن والسنة من الصحابة أيضًا، فلابد أن يكونوا أفضل الناس وأعدل الناس وأحسن الناس وإلاّ ضاع القرآن وضاعت السنة. فلو فرضنا أن الصحابي كان جيداً، ولكن الذي جاء بعده من التابعين كان إنساناً سيئاً لضاع القرآن والسنة. فإذن: يجب أن تلتزموا بأن التابعين أيضاً هم أفضل الناس وخير البشر وهم عدول كذلك، وهكذا إلى المرحلة الثالثة. الأغرب من ذلك ما ذكره المقريزي الشافعي [ت: 845هـ] في كتابه (إمتاع الأسماع) وهو يذكر خصائص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث ينبغي أن نضع في حسابنا مائة وأربعة عشر ألف إنسان، منهم الوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وأبو سفيان وأمثال هؤلاء، حيث جعل القضية غيبية فقال: " ونحن وإن بلغنا من الفضل ما عسانا نبلغه، فإن فَهم مقامهم على مقدارهم، مستحيل أن يصل منا أحد إليه، لبلوغنا الغاية في الانحطاط عن مرتبتهم، لكنا إنما نفهم مقامهم على قدرنا، وذلك أن أكثر ما نبحث عنه من العلوم، وندأب فيه، فإنه حاصل عند الصحابة بأصل الخلقة، لا يحتاجون فيه إلى تكلف طلب، ولا مشقة درس... وكذلك ما فطروا عليه من العقول الرصينة، ما منّ الله تعالى به عليهم، من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر"([10]). وعلى ضوء هذا الرأي فإن علم الصحابي ليس كبقية البشر علم مكتسب، بل علمهم من أصل الخلقة، مضافًا إلى "ما فُطروا عليه من العقول الرصينة وما منّ الله به عليهم من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر..".

--> 5 ) صحيح ابن حبان: ج6، ص442. 6 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن أثير: ج1، ص3. 7 ) الإصابة لابن حجر: ج1، ص163. 8 ) المصدر السابق. 9 ) وهم التابعون. 10 ) إمتاع الأسماع للمقريزي: ج9، ص221.